السيد كمال الحيدري

58

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )

الكلام في القضاء اتّبع المصنّف طريقة الشيخ الرئيس في معرفة المعاني ، وذلك من خلال أخذ المفهوم ثمّ تحليله لغويّاً وعرفيّاً وعقلائيّاً ثمّ تجريده من الخصوصيّات الاعتباريّة ، ليصل به إلى المعنى العقلي الدقّي ، وهذه الطريقة مبتنية على مبنى عامّ يسلكه هؤلاء الأعلام ، وهو أنّ الألفاظ موضوعة لأرواح المعاني ، فيصدق المفهوم على المصداق المادّي وغير المادّي . فمثلًا لفظ القلم ليس موضوعاً للقلم المادّي فقط ، وإنّما موضوع لإبراز المكنون من المعاني سواء كانت تلك المعاني مادّية أم معنويّة . وقد أشار إلى ذلك الفيض الكاشاني في مقدّمة تفسيره الصافي ، بقوله : « إنّ لكلّ معنى من المعاني حقيقة وروحاً وله صورة وقالب ، وقد يتعدّد الصور والقوالب لحقيقة واحدة ، وإنّما وضعت الألفاظ للحقائق والأرواح ، ولوجودهما في القوالب تستعمل الألفاظ فيهما على الحقيقة لاتّحاد ما بينهما ، مثلًا : لفظ القلم إنّما وضع لآلة نقش الصور في الألواح من دون أن يعتبر فيها كونها من قصب أو حديد أو غير ذلك ، بل ولا أن يكون جسماً ولا كون النقش محسوساً أو معقولًا ولا كون اللوح من قرطاس أو خشب بل مجرّد كونه منقوشاً فيه . وهذا حقيقة اللوح وحدّه وروحه ، فإن كان في الوجود شيء يتسطّر بواسطة نقش العلوم في ألواح القلوب فأخلق به أن يكون هو القلم ، فإنّ الله تعالى قال : الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ بل هو القلم الحقيقي حيث وجد فيه روح القلم وحقيقته وحدّه من دون أن يكون معه ما هو خارج عنه ، وكذلك الميزان مثلًا فإنّه موضوع لمعيار يُعرف به المقادير ، وهذا معنى واحد هو حقيقته وروحه وله قوالب مختلفة وصور شتّى بعضها جسمانيّ وبعضها روحانيّ كما يوزن به الأجرام والأثقال مثل ذي الكفّتين والقبّان وما يجري مجراهما ، وما يوزن به المواقيت والارتفاعات كالأسطرلاب ، وما يوزن